محمد حسين الذهبي
488
التفسير والمفسرون
وبقي للناس من ذلك بعد موته عليه السلام جزء من النبوة وهو الرؤيا الصالحة ، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة « 1 » ) . ثم بعد هذا البيان الذي أوضح فيه الشاطبى أن الشريعة في تصحيح ما صححت وإبطال ما أبطلت قد عرضت من ذلك إلى ما تعرفه العرب من العلوم ، ولم تخرج عما ألفوه ، نراه يزيد هذا البيان إسهابا ، وإيضاحا ، ويتوجه باللوم إلى من أضافوا للقرآن كل علوم الأولين والآخرين ، مفندا هذا الزعم ، الذي اعتقد أن قائليه قد تجاوزوا به الحد في دعواهم على القرآن . وذلك حيث يقول في المسألة الرابعة من مسائل النوع الثاني من المقاصد - أعنى مقاصد وضع الشريعة للإفهام - ( ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها - وهم العرب ينبنى عليه قواعد : منها : أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات ، والمنطق وعلم الحروف ، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباها ، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح ) « 2 » . ثم يصحح الشاطبى رأيه هذا ويحتج له بما عرف عن السلف من نظرهم في القرآن فيقول : ( . . إن السلف الصالح - من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه ، ولم تبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شئ من هذا المدعى سوى ما تقدم ، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف ، وأحكام الآخرة ، وما يلي ذلك ، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة ، إلا أن ذلك لم يكن فدل على أنه غير موجود عندهم ، وذلك دليل على أن ، القرآن لم يقصد فيه تقرير لشئ مما زعموا . نعم تضمن علوما من جنس علوم العرب أو ما ينبنى على معهودها مما يتعجب منه
--> ( 1 ) الموافقات ج 2 ص 71 - 76 ( 2 ) الموافقات ج 1 ص 79